Kurdofan Blog  (المـنبر)

Kurdofan Blog (المـنبر)

منبر مؤسسة كردفان للتنمية

نفرد هذه المساحة لتبادل الأفكار و الآراء التى تهدف إلى تنمية و تطوير الإنسان فى كل بقاع كردفان على وجه الخصوص والسودان عموماً. نرجو ونرحب بكافة أشكال المساهمات فى المواضيع السالفة الذكر وأى مواضيع أخرى تتماشى مع أهداف هذه المؤسسة الخيرية.

رد للرافضين تصدير إناث الماشية (2): ما الجدوي الإقتصادية لسلالات الماشية؟

BlogPosted by KDF Sun, July 23, 2017 09:54:21

أثار المقال السابق تعليقات ووجهات نظر متباينة غلب عليها رفض تصدير الإناث لأسباب ليست منطقية أو علمية مقنعة وسيطر علي أسباب الرفض الفكر العاطفي الجمعي السوداني. ربط الرافضون حجتهم بسياسات حكومة الإنقاذ وأستشراء الفساد فى عمليات التصدير. في منتصف الثمانينات (قبل الإنقاذ) بدأ المختصون بدراسة الرعي الجائر وتقلص المراعي وآثار موجات الجفاف المتلاحقة والزحف الصحراوي مع الزيادة المستمرة في أعداد البشر والماشية. حينها ظهرت فكرة التحكم في أعداد الماشية لتتناسب مع قدرة تحمل المراعي الطبيعية وفق تجارب الدول التي تعرضت لمشاكل مماثلة. قاد التنافس علي الموارد الطبيعية في ذلك الوقت إلي تكوين وتسليح قوات المراحيل فى كردفان وكانت الشرارة الأولي للحرب فى جبال النوبة وتبعتها حرب دارفور نتيجة للمنافسة الحادة بين الرعاة والمزارعين علي المراعي وملكية الأرض. بلغ عدد الماشية عام 1987 حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للزراعة (فاو) في الشمال والجنوب حوالي 56 مليون و الآن قفز هذا العدد الي حوالي 140 مليون في السودان الشمالي فقط. وكان لا بد لهذه الزيادات المتواصلة في أعداد الماشية من خلق إختلال بيئي وإجتماعي وإقتصادي ونتيجة لذلك دارت الحروب في غرب السودان.

متي صدر قانون تصدير إناث الماشية؟

لم أستطع الحصول علي معلومات دقيقة عن تاريخ صدور هذا القانون لكن أغلب الظن صدوره أثناء الإستعمار حيمنا كانت أعداد الماشية لا تتعدى 10 مليون في عام 1956 وكان هدفه زيادة أعداد الثروة الحيوانية لدعم إقتصاد الدولة الوليدة. في ذلك الوقت كان عدد السكان حوالي 10 مليون فى الشمال والجنوب في إحصاء عام 1956 (7.5 مليون فى الشمال). والآن قفز تعداد السكان إلي 40 مليون نسمة بينما قفز تعداد الماشية إلي 140 مليون. من الإستقلال إلي هذا العام زاد عدد السكان أكثر من 5 أضعاف بينما زادت الماشية أكثر من 14 ضعف. وتتفاقم هذه المشكلة عندما نضع في الحسبان الفجوة في أعلاف الماشية في السودان تساوى 51% وفق التقديرات الأخيرة، وهذا يعني بأن الثروة الحيوانية تتلقي فقط 49% من حاجتها الغذائية وظلت في جوع متزايد ومستمر.

هل ترغب الدول التي تستورد سلالات الماشية السودانية من تكاثرها في مزارعها؟

أولاً: إن كانت الإجابة بنعم، بالطبع ليس هنالك ما يمنع السعودية ودول الخليج من تهجين سلالاتها بالفحول (الذكور) السودانية التي بدأت إستيرادها قبل عشرات السنين والإستغناء عن إستيراد الضأن السواكني والإبل سواء كانت ذكوراً أم إناثاً. أليس الأفضل لهذه الدول تكاثر ذكور وإناث الضأن الأسترالي أوالنيوزيلندي المستورد والأفضل عالمياً من السواكني؟ في واقع الأمر يعتز السعوديون بسلالاتهم المحلية ويحافظون عليها من الإختلاط، بل يفضلون الضأن النعيمي لإكتنازه بالدهون المهمة في طبخ الأرز مقارنة بالضأن السواكني. كما أنهم يفضلون أيضاً الإبل السوداء لتأقلمها علي البيئة المحلية وإنتاجها الأكثر للبن مقارنة مع الإبل السودانية، وهكذا دواليك في الدول المستوردة للماشية السودانية. للأسف عند مناقشة مثل هذه الأمور الحيوية يتغلب الفهم الجمعي السائد في السودان علي المنطق العقلاني والتحليل العلمي.

ثانياً: يفضل علماء تهجين الماشية الذكور أوالتلقيح الإصطناعي (دون الحاجة لذكر في القطيع) وليس الإناث، لأن استخدام الذكور أرخص وأسهل (ذكر واحد لكل 30-50 أنثي) ويحول مورثات الإنتاج تدريجياً وعلي عدة أجيال ويحافظ علي الصفات المحلية المرغوبة مثل تحمل البيئة ومقاومة الأمراض. وخير مثال في ذلك إنتاج هجين الفريزيان بتلقيح إناث أبقار الكنانة المحلية في مركز التلقيح الإصطناعي بحلة كوكو، مع العلم بأن الهولنديون لن يمانعوا في تصدير إناث الفريزيان لأي جهة.

ما الجدوي الإقتصادية لسلالات الإبل السودانية (4.6 مليون رأس

ذكرنا في مقال سابق بأن الإبل بطيئة في تحويل الأعلاف إلي بروتين وألبان مقارنة بالغنم والبقر ولهذا قلت جداوها الإقتصادية وفقدت التنافس في الأسواق العالمية وإنحصر أستهلاكها في الدول الأكثر فقراً أوالتي تربطها بها ثقافة دينية. لقد اختفت تربية الإبل في غالبية دول شمال أفريقيا والجزيرة العربية مع تحسن ظروف الحياة وانحسار المجتمعات البدوية والتحول إلى الحضارة والمدنية. بل صارت الإبل في بعض دول الخليج العربي وسيلة للتسلية والترفيه كما هو الحال في سباق الهجن. دخلت الإبل أستراليا في مطلع القرن التاسع عشر، لكن سرعان ما تخلى عنها أصحابها وتوحشت بعد اعتماد الضأن والبقر في الإنتاج الحيواني. أدى توحش الإبل إلى كوارث بيئية ومشاكل اقتصادية وسط المزارعين عندما وصل عددها مليون راس في عام 2009. قامت الحكومة الأسترالية بحملة ضخمة للتخلص من الإبل بضربها بعيارات نارية عن طريق المروحيات والحملات الأرضية إلى أن انخفض عددها إلى حوالي 160 ألف رأس بنهاية عام 2013. أكاد أجزم بأن كل الرافضون لتصدير إناث الإبل في السودان وغالبية القراء يفضلون شراء لحوم الضأن والأبقار لأن لحوم الأبل متدنية في قيمتها الغذائية والطعم والمذاق. وسوف تزول تربية الإبل تدريجياً في سودان المستقبل أسوة بشمال أفريقيا مع زيادة تعليم وإستقرار البدو وتربية الحيوان المستقرة المكثفة ومع إنتشار المدنية والحداثة.

ما الجدوي الإقتصادية لسلالات الأبقار السودانية (42 مليون

تنتمي الأبقار السودانية إلى أبقار الزيبو الآسيوية والمختلطة ببعض السلالات الأفريقية وتتميز ببطء تحويل الأعلاف إلي بروتين وألبان وقلة الإنتاج مقارنة مع السلالات الحديثة. ويتضاءل إنتاج أفضل السلالات مثل البطانة والكنانة أمام الهجين الناتج من 50% فريزيان. أما سلالات البقارة المتنقلة لا يتعدي إنتاجها 3 لتر في اليوم نسبة للإنتخاب الطبيعي في بيئتها الذي حول مورثات (جينات) إنتاج اللحوم والألبان إلي مورثات تساعد علي قدرة التحمل في البيئة القاسية والرعي المتنقل الإنتشاري والعيش علي 50% من حاجاتها الغذائية. إن سلالات أبقار البطانة والكنانة ذات الإنتاج العالي نسبياً هي أيضاً وليدة بيئتها المحلية ولهذا فشلت في التأقلم مع أبقار البقارة المتنقلة في غرب السودان. ولن يحتاج هذا الأمر لعبقري للتنبوء بإحلال السلالات الهجين في المستقبل القريب عندما تتحول تربية الحيوان إلي صناعة وليس مهنة وحرفة للبدو والأقل حظاً في التعليم.

ما الجدوي الإقتصادية لسلالات الضأن السودانية (52 مليون

ذكرنا سابقاً بأن بيئة شمال كردفان شبه الصحرواية هي التي أنتجت سلالة الضأن الحمري الكباشى السواكني الضامر مثل الغزلان وفق نظرية الإنتخاب الطبيعي، ليصبح قادراً علي تحمل شح المراعي في فترات الجفاف والترحال لمئات الكيلومترات والعطش، إذ يشرب الضأن مرة واحدة كل 2-4 أيام. لهذه الأسباب لم تنتشر هذه السلالة في أقاليم السودان الأخري. خلاصة القول أن إناث الماشية السودانية لن تتأقلم وتصل قمة الإنتاج في البلدان الأخري و يبقي الأصل في البيئة السودانية المحلية. في السعودية مثلاً يفضل المزارعون تسمين الضأن النعيمي علي السواكني لأن الأول له قابلية أعلي في تحويل الأعلاف إلي لحوم في زمن أقصر. لم يطرأ علي الضأن تهجين مكثف مقارنة بالأبقار لأنه يتكاثر بصورة سريعة إذ يمكن أن تلد الأنثي فى أفضل الأحوال 4 حملان في العام عند توفر العلف في التربية المكثفة.

ما الجدوي الإقتصادية لسلالات الماعز السودانية (43 مليون

الإنتخاب الطبيعي تبعاً للبيئة وندرة العلف أثر علي إنتاج سلالات الماعز في السودان بدرجات مشابهة للضأن. لكن في السنوات الأخيرة إزداد التهجين بالسلالات الشامية والسعانين بصورة مكثفة مما أدي إلي زيادة هائلة في إنتاج اللبن واللحوم. يمكننا الإستنتاج بأن هجين السلالات المستوردة من الماعزسوف يسود حول المدن ومناطق تربية الحيوان المستقرة والمكثفة وينتشر تدريجياً للبوادي.

ما الجدوي الإقتصادية لسلالات الدواجن السودانية (45 مليون

يمثل إحلال سلالات الدواجن المستوردة (الهولندية) للمحلية نافذة للنظر من خلالها لمستقبل الثروة الحيوانية في السودان. لقد نجحت مزارع الدواجن بقلتها وتمركزها حول الحضر في توفير البيض واللحوم ورفع إستهلاك الفرد ومستوي معيشته. إنحصرت سلالات الدواجن المستوردة حول المدن ولكنها نجحت في منافسة السلالات المحلية في أسواق القري التي عمت فيها ظاهرة بيع الكتاكيت. وهكذا سيتم الإحلال شبه الكامل للدواجن المحلية في المستقبل القريب وفق الإنتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح لتلبية الطلب المتزايد للغذاء.

لكي ينهض السودان ويلحق بركب الأمم المتقدمة لابد من طرح الأسئلة القاسية التي يصعب علي العامة فهمها وسبر أغوارها، مثلاً، كيف يمكن التحكم في زيادة أعداد الماشية مع تقلص المراعي والفجوة المتسعة في غذاء الحيوان؟ أبسط الأجوبة في المدي القريب هي أولاً، إدخال 20% من الإناث سنوياً لدورة الإنتاج للحفاظ علي أعداد الماشية الحالية (140 مليون) وثانياً، التخلص من فائض الإناث بالإستهلاك المحلي والتصدير. والإجابة علي المدي البعيد هي تهجين سلالات الماشية والتحول لتربية الحيوان المستقرة والمكثفة حتي يعادل إنتاج 60 مليون رأس من الهجين ما تنتجه حالياً 140 مليون من السلالات المحلية.

وأخيراً، لا بد من طرح الأسئلة الكبري التي تأطر مستقبل السودان بغض النظر من هو علي دفة الحكم الآن ورسم خارطة طريق للأجيال القادمة في حكومات مستقبلية ديمقراطية. هذه الأسئلة القاسية الكبري لن يحلها التوقيع علي القرطاس، لكن أفضل من يجيب عليها المختصون والمستقبليون الناظرون لما وراء الأفق، والعقول التي تجوب في المنطقة الرمادية الضيقة التي تفصل بين الممكن والمستحيل، وتدفع حدود اللا ممكن إلي الوراء لإنتاج فكرعميق ومعرفة جديدة ونهضة إنسانية.

د أحمد هاشم





  • Comments(0)//kurdofan.kordofan.co.uk/#post37