Kurdofan Blog  (المـنبر)

Kurdofan Blog (المـنبر)

منبر مؤسسة كردفان للتنمية

نفرد هذه المساحة لتبادل الأفكار و الآراء التى تهدف إلى تنمية و تطوير الإنسان فى كل بقاع كردفان على وجه الخصوص والسودان عموماً. نرجو ونرحب بكافة أشكال المساهمات فى المواضيع السالفة الذكر وأى مواضيع أخرى تتماشى مع أهداف هذه المؤسسة الخيرية.

وداعاً مدينتي الساحرة لـندن

BlogPosted by KDF Mon, January 18, 2016 17:39:30

وداعاً مدينتي الساحرة التي يقبل الضباب سطوح مبانيها ويجوب في طرقاتها ويغسل جدرانها والأرصفة. وما الضباب إلا سحاب فقد الرغبة في التحليق عالياً في الفضاء وآثر التسكع في أروقة هذه المدينة. لقد مكثت فيها لسنوات متتالية أكثر من أي مدينة أخرى، حتى قريتى التي ترعرعت بين ظلال أشجار نيمها الوارفة، واستنشقت فيها الهواء الممزوج بعطر الدعاش لأول مرة.

حينما وطأت قدماى تراب هذه المدينة قبل ربع قرن من الزمان، كنت شاباً مغروراً بالسذاجة السودانية التي يسميها البعض طيبة. أجلستني هذه المدينة لشرب كوب من شاي اللبن في وضح النهار، وأشارت لى الطريق إلى جامعتها العتيقة. وعند وصولي وضعت الجامعة أناملها على شعري، وفتحت رأسى ثم أوقدت في داخله شمعتان لطرد ظلال السذاجة والفكر الجمعى. وبين قاعات الدراسة والمختبرات تعلم عقلى التجوال في المنطقة الرمادية الضيقة التي تفصل بين الممكن والمستحيل، وما برح يدفع بحدود اللا ممكن إلى الوراء لإنتاج معرفة إنسانية جديدة.

لم يمض على رحيلى أسبوع واحد حتى بدأت أحس بألم الفراق لأنى أفتقدت تغير ألوان أوراق الشجر وتساقطها على الأرصفة، ولفح رطوبة الخريف في الصباح الباكر، وتغيير منسوب مياه نهرى رودنق ولى، من على متن دراجتى الهوائية في طريقى للعمل. وسوف أفتقد هروبى لنفسى في رحلاتى الصيفية لمروج هاكنى ووالتماستو، والإستراحة في المقاهى على ضفاف قنال الوحدة. يمثل الهروب بالنسبة لى التقهقر من صخب المدينة وضوضاء قطارات الأنفاق، إلى طفولتى، وسط المروج الخضراء والحدائق الغناء التي تخفيها هذه المدينة وتبرزها فقط للمولعين بالبحث في المناطق الرمادية.

واخيراً سوف أفتقد كوكبة من الزملاء والأخوات والأخوان والصداقات التي حولها معول الهجرة إلى علاقات أسرية، وعلى وجه الخصوص المجموعة الكردفانية التي حملت وحافظت على السودان الأصيل بين جوانحها وفى حدقات عيونها، بل وأورثته للجيل الثانى من البنين والبنات. والآن سوف أبكى وحيداً ببعدى عن القصص والحكاوى الطريفة، والنكات المضحكة، والتجمع في المنازل والقاعات وحديقة بيرقس وموائد الشواء الصيفي. لا أدرى هل أستطع المقاومة، أم أهرب ثانية من غربتي إلى هجرتي!!!

أحمد هاشم



  • Comments(0)

Fill in only if you are not real





The following XHTML tags are allowed: <b>, <br/>, <em>, <i>, <strong>, <u>. CSS styles and Javascript are not permitted.